منتدي كريزى مان > >
اثنان من تراب الارض .. للكاتبه مها ابو النجا
الإهداءات
Gṏ£ÐëȠ βṏϔ من دبي : بمسي علي كل اخواتي وحبايبي اللي فكرني وحابب اقولهم كل سنه وانتوا طيبين     abdo@ من بني سويف : كل سنه وكل اخواتي طيبين     نجم الغربيه من مصر :     alt@yer_m@zzika من ارض الله : مين من الناس القديمه لسه متابع وموجود     Mr.Hossam من من اتينا : الناس اللي وحشني اجدع ناس كل سنه وانتو طيبين ويارب تكونو بخير دايما     SoLa من القاهره : كل عام وانتم بخير بجد وحشتوني المنتدي الجميل والناس الغالية ال اتعرفة عليهم فيه يارب تكونو في احسن الاحوال     محمد البهلوان من مصر : السلام عليكم يا جماعة فين الناس راحت فين     القبطان مازن من كريزي مان : النت وحش فشخ ف مصر     Angel of love من اسكندريه : وحشتوونى اوى ومفقتده كل صحابى القدام وبتمنالكم كل السعاده والحب     العجمى من العجمى هانوفيل : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إلى جميع الاحباب والأصدقاء تحية من القلب يارب تكونوا جميعا بخير وسعاد لوشا ورسوله وضع القمر وعاشقة النيل وعبد الجواد والبنت المشاغبة هديل ولينا     محمد البهلوان من مصر : السلام عليكم يا جماعة انتوا وحشتوني اووي ليه الأقسام مفهاش تفاعل وخصوصا اقسام الشعر والخواطر     كناريه من الرياض : السلام عليكم وحشتوني اوي انا لما بدخل هنا بفتكر حاجات جميله اوي ربنا يسعدكم يارب وتكونو جمعيا بخير يارب     *سمسم* من المنصوره : السلام عليكم ورحمة الله واحشنى جداااا ياكريزاوية يارب الجميع يكون ف افضل حال     دي روسي من شارع المعز : يااه المنتدي يعني الذكريات الجميله اتمني الناس كلها تكون بخير     Mahmoud Ali Afia من شنشــــــور : صباح الفل ع أحلي مشرفين وأعضاء وزوار كريزي مان_محمـــــود عافيــــه     طـارق من المطريه -القاهره : أللهم انصر الاسلام وارحم موتانا وموتى المسلمين والمسلمات اللهم اشفي مرضانا ومرضى المسلمين اللهم امين يارب العالمين     gezoooo من لَيبـ❣ـيآ : وآحـ❣ـہشـ❣ـہنـ❣ـہي وآلَلَهـ❣ـي. وبـ❣ـہلَدي وآحـ❣ـہشـ❣ـہآنـ❣ـي آووووووي     ! T-e-G-a ! من البنك الاهلي : كل عام وانتم بخير وحشتوني جداً طبعا خمسه سته الي يعرفوني هناا .. ارسل اليكم تحياتي وان شاء الله تكونه بخير وسعاده دايما يارب ♥     مودى مزاجو من التجمع : السلام عليكم ورحمة الله واحشنى جداااا ياكريزاوية يارب الجميع يكون ف افضل حال     sasa-2010 من مصر : كل عام وانتم جميعا بخير ومنتدانا الغالى كريزى مان بخير ويرجع يلعلع زى الاول ان شاء الله    

اثنان من تراب الارض .. للكاتبه مها ابو النجا

قائمة الاعضاء المشار إليهم :

عدد المعجبين1الاعجاب
  • 1 Post By DEELA

افتراضي اثنان من تراب الارض .. للكاتبه مها ابو النجا
أمسك "عبَّاس" بمكبِّر صوت، وألصقَ فمه في فوهته؛ ظنًّا منه أنَّه كلما قرَّبَه أكثر، ازداد صوتُه علوًّا ووضوحًا - وردَّد عبارتَه غير مرَّة:
• يا شباب، علينا أن نكون في المقرِّ المحدَّد في تمام الساعة السادسة صباحًا.

صرخ أحدُهم بلكنة أجنبيَّة سمعها تكرارًا في أغنيات المسلسلات التركيَّة - من كثرة متابعاتها له - ورغم ذلك لا يفقَهُ كلمةً منها:
• أليس الوقت مبكِّرًا جدًّا؟!

بالكاد استوعبَ "عباس" معناها، أو بالأصحِّ ترجَمَها له "ياسر همام" هامسًا له ببعض الكلمات.. تنحنح بعدها "عباس"، ورسم على وجهه ابتسامةً ملوَّنة؛ لِيُفهِم الآخرين أنَّه فهم عبارة الرجل التركي بدون الاحتياج إلى حشو بعض الكلمات في أذنه، كما أنَّ عدم فهم "جابر" لِما يُقال من حوله يقلل من هيبته في تأبُّطِه لقيادة المجموعة، فوُجود "ياسر".. عذرًا.. "ياسر همام" بمثابة شوكةٍ في الحلق؛ فعلى كلِّ مَن يناديه، أو يأتي عليه ذكره أن يلفظ اسمه كاملاً دون تقطيع؛ لاعتقادٍ يُساوره منذ نعومة أظفاره، أنَّ تجزئة الاسم نذيرٌ لتفكُّك ما، ويَرمق مَن يتجاوز هواجسه الخاصة، ويناديه باسمه الأوَّل، أو العائليِّ – نظرةاشمئزاز تشعرك أنَّك من شرذمة القوم!

ورغم تلك البرجوازيَّة الذاتية التي ليستْ على وفاق مع قسوة الرِّحلة، فإنَّ الرجال استساغوا عقليتَه، وحاوَلوا جاهدين إرضاءَه؛ مما أثار ريبةَ وتشكُّكَ "عباس" في مقدرة "ياسر همام" من سَحْب بساط القيادة مِن تحت قدمَيْه، وفكَّر فِعليًّا في إطاحتِه أو تَرْكه في أحد البلاد العربية التي مَرُّوا بها، أو حتَّى من الممكن تغيير مسيرتهم بتجاوز أكثر من خطٍّ برِّي، وتركه مثلاً في "إسبانيا"؛ فلعله يعيد أمجاده السابقة، بل ربَّما يغيِّر اسمه المتفائل.

ما لبث أن نَفض تفكيره المزعِج بعد تفحُّصِه لوجوهِ مَن حوله، فجورج البريطاني، وأورهان التركي، وموسلي الأوروبي، جميعهم يَنظرون إليه ببلاهة وعدم استيعاب لما يتفوَّه به من حينٍ لآخَر؛ إذًا فهو في أمَسِّ الاحتياج إليه في إيصال ما يُريده لذوي الألسنة المتعدِّدة، وتمتمَ بِضجَر:

• لا أدري لِم اختار هؤلاء شاحنتي للتوجُّه صوب المعبَر، في القافلة أكثر من 152 شاحنة، ألَم يَستطِب لهم البقاء إلا هنا؟!

تفرَّس مليًّا في وجه "ياسر" المبتسم، وهو يردُّ على تساؤلات الآخَرين، ويَشْرح لهم قصَّة القضية الفلسطينيَّة (من طقطق لسلام عليكم) بلغةٍ إنجليزيَّة رقراقة سلسة، مستخدِمًا عبارات بلاغيَّة أبْهرَت مَن حوله، وأثارت تَعاطُفَهم وتأوُّهاتِهم.

إنَّه رجلٌ قيادي مُحنَّك، يدرك ما يَفعله أيُّ رجل معتاد السُّلطة، ورغم ذلك ترك لـ"عباس" الزمام، مُمهِّدًا له الطريق الوعرة، مترجِمًا له ما يدور حوله بكلمات قليلة مرتَّبة، لِمَ لَمْ يقتنص الفرصة للقيادة، وأَخْذ ما كان له أصلاً؟!

سؤال شاخ في مفكرة "عباس"؛ من كثرة التساؤل.

في الموعد، حزَموا أمتعتهم القليلة؛ فقد شدد "ياسر همام" على تخفيف الحمل، وحَزْم الأشياء المهمَّة، هو نفسه لم يَحْمل إلاَّ حقيبة صغيرة تكفي رزمة من أوراق ضائعة، وليست ثيابًا مهذَّبة حِيكَت بدقَّة، وأدوات حِلاقة، وزجاجة عطر نفَّاذة برائحة عبقة، كل تلك المُحتويات لا يعرف "عباس" أين وضَعها "ياسر"؟ هل أقحمَها خفيةً في صندوق الحافلة الحديدي؟ هل استغفَلَهم الرَّجل، وطالبَهم بحمل أقل القليل، بينما وارى الكثيرَ بين جانبيه، وبدا كـ"جنتل مان" في أحلك الظُّروف، وكأنَّه يشيِّع نفسه للموت في أُبَّهة مخمليَّة!

كلهم متشابهون في شيءٍ ما، ترَكوه خلفهم، ولَم يلتفتوا إليه، أخرجوا مدَّخراتهم؛ لِيَبتاعوا تذاكر نحو مصيرٍ مجهول، قد تتلاقى أرواحُهم دون أجسادهم، حينها هل سيَرَون "ياسر همام" بكامل أناقته؟!

هكذا تحوَّل "ياسر" إلى شغل "عباس" الشاغل، يراقبه خفية؛ ماذا يفعل عندما تتوقَّف الشاحنة؛ لاستِقْطاع دقائق للراحة، كيف يحلق ذقنه؟ كيف يرشُّ عطره؟ كيف يمشي مشية المعتدِّ بنفسه؟ حتَّى إنه حاول السَّيرَ والحلق على طريقته، فلم يُفلِح!

أنَّب نفسه: ما هذا الهوس يا عبَّاس؟ لو عشقتَ إحدى النِّساء لَم تفعل هكذا فعل! ماذا يَعْرف عن ياسر، ماذا يعرف عنه الكل؟ لا شيء، أكثر من أنه أحد المهاجرين العرب إلى إحدى الدول الإسكندنافية، تحمل قسماته آثار النِّعمة، أخبره أحدهم أنه مِن أصلٍ فلسطينيي، خرج من بلاده بعد النَّكبة غافلاً عن قضيَّتِه، ثم فجأة استيقظ الحنينُ الوطني لديه، وبات يسأل مَن حوله حتى وصل إلى هنا.

همس "عباس" في حضرة رجاله: ما لِهذا الرجل وقضيتنا؟ لِم يُعاني ما عانيناه، لَم ينَم جائعًا يومًا، لم يُواصل ليله بنهاره؛ لِيَجلب قوتَه، لَم، ولَم.

ما بالك يا رجل؟ الأجانب تركوا أوطانهم، وأتَوْا معنا، هو أولى منهم؛ جذوره عربيَّة.

لَم يعلِّق على دفاعه عنه، فقط أزاحَبرأسه بعيدًا، وأخذَتْ عيناه تطوفان حول حركات جسد "ياسر" المَرِنة، صحيح أنَّه لَم يسافر خارج الحدود العربيَّة، ولم يتَثقَّف ثقافةً فاخرة، ولم يحلق ذقنه بحلاقة كهربائية باهظة الثَّمن، إلاَّ أنه الأجدر منه بالقيادة، ولعبَ دور الرجل المُحرِّك لِسَبْق الأحداث؛ فهو مَن حاوَرَه مُراسلو القنوات الفضائيَّة، وهو من تحدَّث بِلُغة عربيَّة سليمة خاليةٍ من الأخطاء النحويَّة؛ لِيَظهر بمظهرٍ لائق أمام حشود وطَنِه، عندما يرَوْنه على الشاشة، أمَّا الآخر فقد تنحَّى، توارى لَم يظهر ولو كبصيص شعاع.

تمتم الرِّجال معلِّقين بِفُكاهة:
• يبدو الرَّجل يكره الشُّهرة والأضواء.

علَّق بتأفُّف:
• بل، لا قدرة لديه على المواجهة.

سكت الجميع من تصريحه، فانفَضُّوا من حوله؛ لإدراكهم عدمَ جدوى إعادة جُملٍ تُثير غيرته، وبَّخ نفسه متمتِمًا لها في سرِّه:
• عباس، الوسواس القهري الذي يَجْتاحك كجنودٍ مجحفة بحقِّك، لا يليق بك، إنَّه من أجل المنعمين في الأرض ذَوِي الأعراض الغريبة، فهُم من استحدثوا أمراضًا لَم تكن موجودة من قبل، ليس لأنَّهم عليلون، بل لِترَفِهم وأوقات فراغهم الطويلة.

فمثلاً: ما الذي جلب "ياسر" هنا من بلاد الأساطير والنَّجمات الخمس، ربَّما رفاهية الفائض من الوقت؛ فقد تقاعد، ولَم يجد شيئًا يفكِّر فيه، فجذبته رحلة نحو أرض الميعاد، فقد يَحْظى بإثارةٍ ما، أو تفجير دموي يوزِّع أشلاءه في كلِّ شبر ترابيّ، يخلِّد ذكراه ويجعله بطَلاً تاريخيًّا تَدْرس مآثِرَه الطَّلبةُ الأفذاذ، أو يتحوَّل إلى رمزٍ يُصقَل بالمعدن والحجر، ويزرع في وسط الميدان؛ لِيَراه المارَّة، ويترحَّمون عليه وعلى أمجاده، أمَّا أنت فَتُحارب من أجل أرضٍ حُرِمَت منها، أُخرجت منها عَنْوةً بعد أن تمرَّغَت سنين عجافًا في سجونِ مُحتلِّها، نُفيت إلى بلدٍ لَم تُرحِّب بك إلاَّ مرغمة - وفق رغبة المُحتل - صُودِرَت رغباتك بمجرد مُصادرة هويتك، سحَبوا منك أوراقك الثبوتيَّة، ومنَحوك أوراقًا أخرى باهتةَ اللَّون مختومةً باسم "لاجئ فلسطيني"، وحدَّدوا لك ثلاثة بلدان؛ لترحل إليها، والبقية شطبتك بالخطِّ الأحمر، أضاقت خارطةُ العالَم بك؟!

سنون طوال أذاقَتْك معنى غربة الوطن، واليد والممشى، سنون جبَلَتْك على الصِّراع من أجل العيش، حاول أن تتجاهله، ولا تُحاول أن تحظى بسُلطةٍ هُضمت منذ زمنٍ بعيد، ولَم تَعُد لك.

تنبَّه على صوت "ياسر" يحدِّد موعد الوصول إلى المعدية، حسب تدابيره الفذَّة:
• سنَصِل في تمام الساعة الثانية ظهرًا، وعلى الجميع أُهبة الاستعداد، والالتزام ببنود الخطَّة بدايةً من الصُّعود وحتَّى الوصول؛ لِضَمان نجاح الخُطَّة، يا رجال ليس الوقت ولا الظُّروف مواتِيَيْن؛ لنبش أحقادٍ دفينة، أو غايات نفسيَّة، كلنا واحد ننصهر في قالب واحد، فقريبًا نصل إلى الشَّاطئ ونصعد المعديَّة، وننجز مهمَّتنا على الوجه الأكمل، وستطأ أقدامُنا ترابَ فلسطين، وسنُقبِّل أحبابنا فيها، ما قاله كان إنذارًا له بِتسَلُّمه القيادة الفعليَّة.

لقد نَحَّاه "ياسر" بعدَّة جمل لا أكثر، رمَقَه بنظرةٍ ذات مغزًى، يدفنه بين طيَّاته، هل كان الكلامُ موجَّهًا له، نظرته له لَم تكن مطمئِنَة، هل وشى أحدُ رجالِه به؟ سيُلقِّنه درسًا لن يَنْساه طوال حياته، أصوات أبواق سيَّارات، وتوعّد أحدهم أخرجه من تلاطُمِه الفِكري، وأرهب سائق الحافلة؛ لأنَّه هو أوَّل من رأى السِّلاح مُشهَرًا عليهم:

• انزلوا، تقدَّموا فُرادى فُرَادى.

وقفَت أجسادهم المنهكَة، وعبَرَت المساحة المُحدَّدة لها؛ لِيَتمَّ تفحُّص ملامحِهم، والتعرُّف عليهم؛ فإن تعرَّفوا على أحدهم كناشطٍ سياسي، أو منظِّم حركة مقاومة، يفصلونه عن المَجموعة، ويقتادونه إلى معتقَلٍ مَجهول، ساروا - كلٌّ على حدة - والعيون معلَّقة بِمَلامحهم.

أتى دور "ياسر همام"، فمرَّ على الخطِّ وكأنَّه يسير على السجَّادة الحمراء بِزَهْو وعدمِ اكتراث، ودون أن يَنْبِس بكلمةٍ خلاف البقيَّة؛ فقد حاولوا التحدُّث بكلمات عبريَّة وإنجليزية ركيكة؛ محاولة منهم لإظهار حُسن نواياهم.

فجأة، أُضيئت الإشارات الحمراء، وسُلِّطَت على أعينهم؛ لِتَحجب الرؤية عنهم، لكن المشهد نافذٌ إلى عقولهم، والرهبة مسيطرة على قلوبهم، أُطفئت الأنوار الضوئيَّة دون سابق إنذارٍ كبداية إنارتها، صرخت الأفواه دون أن تَصْدح بكلمةٍ واحدة: لماذا تُعمون أبصارَنا؟ نحن نرى طريقَنا بِحَواسِّنا.

استرقَ "عبَّاس" في غمرة الأحداث الرهيبة نظراتٍ مختلسةً نحو "ياسر"، فهالَه ما رأى، لمحَ دبيب خوفٍ يَسري في عينيه، فانتشَرَت داخله سعادة، وانتصار عجيب يُناقضان الموقف، أخيرًا شعر "ياسر" بالخوف؛ فهو آدميٌّ تَسيل في عروقه الدِّماء العربيَّة، وليس بطلاً أسطوريًّا متجاوِزًا كلَّ المخاوف الرَّاعبة، فبَعض رجال يحملون رشاشات وأنوارًا حمراء أثاروا الرُّعب داخله، إذًا لا شيء يُميزه عنهم.

هطلَ المطر ليلتَها كأطواق نجاةٍ لهم؛ فغَزارته الشديدة كانت كوَقْع الأسهم على المعتدين؛ تُبَعثِر الآخَرين قليلاً؛ فمحاصرة المطر لهم لَم تكن في حسبانِهم، ولَم يعدُّوا لها العدَّة من ملابس شمعيَّة، وخوذات قاسية، كان مرأى عينٍ مشهودًا لا يُنسى، حتَّى إنَّهم سمعوا قلوبَهم تتهلل فرحةً لسواعد خفيَّة تمدُّهم بسيلٍ عارم من القوَّة، رفع "سعيدٌ" يده إلى فوق عاليًا؛ كإشارةٍ للبدء، وصرخ:

• هجوم.

وجم "عباس"؛ فقد كانت خطَّة لَم يعلَمْها، ولَم يُعلِمه أحدٌ بها! أليس جديرًا هو بعِلْمها، بل والمشاركة في وضع نقاطها؟! لَم يكمل هوسه؛ فقد بادرَه "ياسرٌ" من الخلف، وهَمس في أذنه، وأعطاه أمرًا بحركةٍ من إصبعه:

• عبَّاس، أنت ورجالك في الناحية الأخرى، عندما أرفع يدي لك ادخُل بقوة.

لَم ينفذ أوامر "ياسر" الصارمة.

احتدم الصِّراع والمطَر معًا، لَم يتخلَّ أحدُهما عن الآخَر، كانت اللَّحظات تمرُّ ثقيلةً ثقيلة، وبينما المواجهة محتَدِمة بينهم، تلَمَّسوا بأمَلٍ واهنٍ العونَ والمساعدة، لكن مع انزواء المكان وتخَفِّيه عن أعين الثُّوار، جعل النَّجدةَ - نوعًا ما - صعبةَ الوصول.

وانطلقت أبواق نفيرٍ من مبنًى عالٍ أحدثَ التِماسًا في أجسادِهم، وألقَوْها في صدر البحر، وسبَّحوا بصعوبةٍ وانقطاع أنفُس، وحاولوا الوصول إلى المعديَّة، رغم العواصف الرعديَّة، والمطر الغزير، والعوائق الاصطناعيَّة، وصلوا للمعدية بمجهودٍ يَفوق الوصف، أمَّا "عباس" فسقَط في أيديهم، وتَملَّكه الرعب الفعليُّ عندما قيَّد رَجُلان يديه، وكمَّما فمه، ودفَعاه بخطوات متعثِّرة نحو مكانٍ يجهله، وزجَّاه في سيارة صمَّاء.

قاومَ بتثبيت قدَميه في الأرض، صرخَ أحدهم في وجهه: اصعد، اصعد.

ثم تلقَّى ضربةً على رأسه، شعَر بِقُواه الجسديَّة والعقلية تخور رويدًا.. رُويدًا.. ومن ثَمَّ سقط مغشيًّا عليه.

أفاق على مرأَى مكانٍ خالٍ من الحياة، إلاَّ من بناية عالية، وكأنَّها برجٌ للمراقبة، إذًا مِن هنا يتصيَّدون فرائِسَهم! اقتِيد إلى الدَّرجات الحديدة صعودًا للبُرج، وأُلقي على كرسيٍّ وحيد في الحجرة الصَّغيرة وكأنَّها زنزانة: ما بالك يا عبَّاس؟ لِم الْهَلع! فأنت معتادٌ على الزنزانات؛ فقد أُسِرت أكثرَ من مرة، ولن يُخِيفَك منظرٌ مُشابِه.

نظَر عن يمينه، فوجد رجلاً مفتولَ العضلات يرتدي بزَّة عسكريَّة غريبة، وعن شماله نَفْس الهيأة، باختلاف بعض الملامح، ومن أمامه ومن خلفه، ماذا يحدث؟ هل هو شخصيَّة نافذة تحتاج إلى كلِّ هؤلاء؟! ازدادت صلابتُه وقوَّته؛ فهو لا يقلُّ عن "ياسر همام" في الثَّبات.

انفضَّ الجمع من حوله بعدَما أغلَقوا عليه الباب الحديديَّ بجهاز تحكُّم، ورقم سرِّي، لا، لَم يَسبق له أن حظِيَ بهذه الشرفيةوالاحتياطات الخاصة، ربَّما سجِلُّه السابق أرهبَهم، وجعلهم متوجِّسين خِيفةً منه.

فُتح الباب في اليوم التالي آليًّا، دخلَ عليه غمرةمن الرِّجال، تقدَّم منه أحدُهم، فَهِمَ مِن لكنته، وطريقةِ إلقاء الأوامر أنَّه القائد، بادره بمشاعر باردة:
• تقدَّم، قِف ويداك فوق رأسك، تحرَّك.

انتابَهُ شعورٌ من الرهبة، كان يحول إسكانهاطوالَ اللَّيلة الفائتة مع هزيم الرَّعد، حاول أن يتفحَّص ملامِحَهم؛ علَّه يستشفُّ منها أمرًا بِخُصوصه، لكن تجلُّد قسماته أثنَتْهعن إعادة المُحاولة وهم يَدْفعونه إل مكانٍ آخَر مصوِّبين نحوه أربعة رشَّاشات من نوع (الكلاشنكوف) أُدخل إلى غرفة أكبر من الغرفة التي كان فيها، وفي نفس المبنى العالي، أسقطوه أرضًا بقدَمِ أحدهم فجَثا على ركبتيه، ويداه مقيَّدتانِ خلف ظهره.

ومع كل ما واجهه، إلا أنَّه شعرَ بنفحاتٍ من الحماس، والاعتداد بالنَّفس، وظهر جليًّا في نظرات عينَيْه؛ مِمَّا جعلهم يُصوِّبون الرشَّاشات إلى رأسه طوال التَّحقيق معه، كان مستعِدًّا أن يُخبِرهم عن اسْمِه، وسُلالته وعشيرته، والقبيلة التي يَنْحدر منها، والاعتقالات التي عاصرَها في حياته، لكنَّهم لَم يسألوه عن كلِّ ذلك، سأَلوه فقط عن "ياسر همام"، وكيف السبيلُ للإمساك به..

فإذا أراد رأسه أن يخرج سالِمًا، عليه أن يُخبرهم عن خُطط رحلة المعدية، ليس هو المقصود؟ فـ"هَمام" البطل المقصود في كلِّ العمليَّة، من هو "ياسر همام"؟! لن يصدِّقوه لو أخبرهم أنَّه لا يعلم عنه شيئًا، وأنه كان يُخفي عنه بنود الخُطَّة، ماذا يفعل؟

تصرَّف بسرعة محاولةعرقلة أحد الرِّجال الملتَفِّين حوله؛ لاختطاف رشَّاشه وتصويبه باتِّجاه القائد الأساسي، لكنَّهم كانوا أسرعَ منه، وحركته السريعة لَم تكن متقنة، استشاطوا لخطوته الجريئة، وازدادوا تعنُّفًا، دفعوه إلى الزنزانة، وانفجر القائد في وجهه مزمجِرًا: "حاولتَ اغتيال عسكريٍّ عند أداء مهمته الوطنيَّة!".

سرَتْ في جسده رعشة، كالَّتي تنتاب مَن يعتلُّ بالحمَّى، وأحسَّ بدبيب إغماءٍ يَسري فيه، فرَّ في هلعٍ عند سماعه لعواء مُخيف يخترق حدوده: انطق يا....

لَم يعلِّق، بدأ الخدر يذوي احتجاجَه، وما زال (غراب البَيْن) ينعق بشرر: "أنت متَّهم بتأليب الجمع للمظاهرة، وإحداث ثورةٍ لقلب الحكم، وإثارة فتنة".

دارَت الأرض به، ورأى طيف "ياسر همام" يشمت به ساخِرًا، وأجزاء الغرفة مُتطايرة في كلِّ الاتِّجاهات، وشعر بانقلاب الأمور؛ فالسَّقف احتلَّ مكان الأرضيَّة، والعكس، حتَّى الجدران تبادلَتْ أمكنتَها، ولَم تبْقَ على حالها، سقط ممسِكًا بالأرض من تحته، وصُوِّبَت فوهات الأسلحة على كل عضو من جسده.

أفاق من إغمائه وفي حواسِّه آثارُ التَّنميل، كقبائل ثوريَّة أعلنَت التمرُّد والانفلات، خُيِّل له أنَّه يُجابه أضغاث كابوسٍ مزعج، وأنه في بيته بين زوجته وأولاده، يفكِّر في أوراقه المصادَرة عند كفيله، وعدم تجديده لإقامته، والغرامات الطَّائلة التي سيدفعها مِن أجل حفنة أوراق صغيرة، وإمضاءاتٍ ظالِمة، لم يَحْفل بكلِّ ذلك، شعر بالقهر يشحذ هِمَّته، شعور تناقُضي، لكنَّه جزم أن يتحدَّى ما زُجَّ فيه.

فتح عينيه، فإذا بغرفةٍ أخرى تختلف عن الأولى، كانت أضيقَ وأبرد، بسريرٍ صَدِئ دون ملاءات وأَغْطِيَة، وحائط مدهون بألوان باهتة ملطَّخة بِبُقع سوداء مشربة بِحُمرة، وكأنها دماء بشريَّة قديمة ممتزجة بحديثة فارقَت الحياة منذ بُرْهة وجيزة.

تشنَّجَت أطرافُه، وصدح الألَمُ داخله وقلبه، حاول الوقوفَ دون جَدْوى، تَهاوى على السَّطح البارد، أرادَ أن يغلق جفنَيْه، ثُم يفتَحُهما؛ علَّه يُنهي حُلمِه الشيطاني، درَّبَ نفسه على السُّكون، واسترجع أكثرَ المواقف صعوبةً مرَّتْ به، وفي خِضمِّ مرارَتِه، استحوذَ عليه صوتٌ كان يسمعه كلَّ يوم خمس مرَّات، هل يُعقل أن يوجد مسجد قريب مِن هذا المعتقَل، أم أنَّ صوت المؤذِّن أُدخل في برمجة عقله، أم أنَّه أذان أصدره معتقلٌ آخَر في زنزانة مُجاورة؟! لا يعرف ماذا حدث له؟ استقرَّت فرائصه، وهدأَتْ سريرتُه، وشعرَ بِبَرد وسلامٍ ينتشر في أوصاله، لا يدري كم من وقتٍ طويل اجتازَه بأنفُس متلهِّفة لمعرفة مصيره، إن أرادوا قتْلَه فلْيَقتلوه، فقد هيَّأ نفسَه للمغادرة نحو مكانٍ رحْب.

أقدام عنيفة تَدُوس الأرضَ بِعُنف، وتقترب منه، وأصوات مشحونة باللَّعن والسِّباب، ثُم صوت أعنف: اخرج.

ابتسم ابتسامةً يانعة، وكأنَّه ذاهبٌ إلى (البيدر)؛ لِيَقطف المَحصول، سار بشموخٍ والشَّريطُ السينمائيُّ يدور في باله كعرض مستمرٍّ لا يتوقَّف، وجه المسلَّح الرشاش إلى رأسه، ودفعَه به نحو طُرقات طويلة في المبنى، واقتِيد مقيَّدًا إلى مبنًى آخَر تتوسَّطه قاعةٌ مفتوحة مرشوقة بالمسلَّحين، هاله ما رأى، لِم كلُّ هذا؟! امتدَّ بصرُه إلى نهاية القاعة، والتقطَ منصَّة تُشبِه منصَّة المَحكمة، جلس حولَها مجموعةٌ من الرِّجال ذوي السِّمات المدمرة، وكان أوسطهم أشدَّ تدميرًا، يبدو هو مَن سيُصدِر حكم الإعدام عليه، أوقَفوه في القفص الحديدي، وبدأَتْ تَسري داخله رعشات قويَّة، ليست رعشاتِ خوف، بل تأهُّب واستعداد.

صرخ أحدهم: "محكمة".

وقف الحضور، تحرَّكَت الرشَّاشات في كلِّ الاتِّجاهات، أريد محاميًا، من حقِّي الاستِنْفار، صرَّح بطلبه بلسانٍ عربي فصيح، لَم يأبه له أحَد، لَم يَستجيبوا إلى طلبه، وكأنَّه بُتَّ في أمره منذ زمن طويل، والمسألة مسألةُ وقت لا أكثر، وتحيّن الفرص للانقضاض.

نادى الرَّجل الواقف في الخلف مرة أخرى: "محكمة".

وقف رجلٌ مقابله مكشِّرًا عن أنيابه كأسَدٍ هَصور، يحمل ملفًّا كبيرًا من الأوراق، وعريضةً طويلة من التُّهَم، وأخذ يسردُها بتعنُّت:
"اغتيال شرطيٍّ أثناء أداء واجبه الوطنِي!".
"تحريض الشعب للإطاحة بالرَّئيس!".
"محاولة إرهابيَّة لتفجير البُرج!".
"الفرار والانخراط في تنظيمٍ مُناهض للحكومة!".
"................................!".
"................................!".

لَم يستطع سماع الباقي من تلفيق التُّهم، بل قرعت الطُّبول في أذنيه معلِنةً ثورة مليونيَّة، هل لدَيْك أقوال أخرى؟ التُّهم موجَّهة لك مع سَبْق الإصرار والترصد، ولا نَفْع مِن استئنافٍ إن كنتَ تنوي ذلك!!

كلمات قالَها الرَّجل المتوسِّط للمنصَّة، وكأنَّه يشمت به، لقد هُيِّئ له أنَّه يُخرِج له لسانه نكايةً به، لا أقوال أخرى لدَيه؛ فهو لَم يَقُل أقوالاً أُولَى حتَّى يكون له أخرى!

نظر إلى الرَّجُل بصلابة؛ لِتَنطق عيناه بِما عجزَ لسانُه: افعلوا ما شئتم، الْعَبوا بِمَصائر الآخَرين، نحن - المنتَصِرين - الله معنا.. الله معنا.

وفي التفاتةٍ منه إلى الرَّجل المُجاور لمَح شكلاً يعرفه، صُعق مِن مرأَى ما رأى، أليس هذا الرَّجل الذي اتُّهِم باغتياله؟! تحرَّك لسانه، عادَت له الحياة، أشار إلى الرَّجل مِن خلف القضبان الباردة: "هذا هو مَن اتَّهمتُموني بقتله، إنه حيٌّ يُرزق، التُّهَم الموجَّهة إلَيَّ باطلة، أُطالب بِمُحامٍ حالاً، صخبت القاعة بضحكٍ هستيري، وثار الهَرْج والمرج، صرَخ الرَّجلُ على المنصَّة، ضاربًا الطاولة أمامه بمطرقة: "انتباه".

ساد الصَّمت، وأعلن الرَّجل الحُكمَ المُجحِف بحقِّه: "حكمَت المَحكمةُ عليك بالسجن، ثم الإعدام بالرَّصاص".

لَم ينهَرْ ولكن شعر بالدَّم الحارِّ يَغلي في عروقه، ونسي كلَّ شيء عن حياته، وعن غيرتِه من "ياسر" وأتباعه.

عرف أنَّهم نَجَوا، وعبَرُوا البحر واستُقبِلوا بالتَّرحاب والزَّغاريد رغم أنف الاحتِلال، وسلَّموا المعونات، وشاركوا في الثورات.

أتى موعدُ تنفيذ الحكم، وكان الفَجْرُ موعِدَه لخاتمته؛ فكان حُسنَ خاتمةٍ له؛ فما زال صوتُ المؤذِّن في أذُنيه منذ تلك اللَّيلة الأولى.

أتى موعِدُه بعد عشرين عامًا من السجن دون تُهمة، بعد عشرين سنةً عُزلةً وانغلاقًا عن الخارج والأحداث، لكنَّ هناك خبَرًا تسرَّب له من الفتحات، خبَر أثار إعجابه بشخصٍ من نَفْس تراب أرضه، كان معه على خلاف؛ فقد قام "ياسر" مع رجاله بأَسْر رجلٍ من العدوِّ واستعماله كورقةٍ رابِحة؛ لإطلاق سراح أَسْرى بلاده، ونجحَت الخُطَّة، وأُطلق مجموعة منهم، لكن - للأسف - لَم يكن منهم؛ لكثرة التُّهَم الموجَّهة إليه.

لَم يَحزن على وجعه ومصيره، بل حَزِن؛ لأنَّه لن يُقابل "ياسر همام"، ويبلِّغه السَّلام، حاولَ أن يتلهَّى في مدة سجنه بكتابة المذكِّرات، فرُبَّما تصل له ولزوجته وأولاده كاعتذارٍ؛ لأنَّه لَم يُحالف الأوَّل ويصدِّقْه، ولَم يترك للآخرين أرضًا تَحْميهم من بَراثن الزَّمان.

دوَّى نفيرٌ في أرجاء المبنَى، مُعلِنًا وقت الإعدام، طارَتْ منه كلُّ الأفكار الَّتي كانت تُراوده، وأوراقه الفارغة، وأقلامه الحبريَّة الجافة، وحالة سلامٍ لَم يعهَدْها قبلاً تنتشر في خباياه.

كلُّ حياته بِحُلوها ومُرِّها، كلُّ مشاعره بِتَناقُضِها، كل أمنياته بدرجاتها، حتَّى الأصوات ونغماتها، كلُّها أصبحَتْ سواء عنده؛ فسلام أيتها الروح ما بعده سلام "ارجعي إلى ربِّك راضيةً مرضيَّة"؛ فكل شيء زال عند سماع النَّفير، تسرَّبَت له ثوراتٌ من خلف الجدران:
"استبدَّ الرَّئيس".
"لَم يتنازل عن الاستبداد".
"انقلاب".
"ثورة دمويَّة".
"نزل الشعب إلى الميادين".
"رفعوا اللافتات".
"ارحل.. ارحل".

استوعبَ ما يحدث في الخارج المَحْجوب عنه لفترةٍ طويلة، جاءَتْه سَكْرة النَّوم؛ فهو لَم يذُق للنوم طعمًا منذ أيام، فغَفا غفوةً رأى فيه رؤية مُبهِجة، رأى حشودًا مصطفَّة حوله، تُنشِد له نشيد الحريَّة والشرفيَّة، ورأى بينهم "ياسر همام" وأنصاره، اقترب منه ووضع في يده مصحفًا صغيرًا، وقبَّل جبينه، وهَمس في أذنه: "لِيَحفظْك الله"، ترَكَه وعاد من حيث جاء، ركض خلفه منادِيًا عليه، قابِضًا بين كفَّيه المصحفَ الصغير، وصوت بنبرةٍ قاسية: "أطلقوا النيران"، سقط على الأرض ونافورةُ دمائه تخضبُ الأرض بنقوش مَحفورة لا تزول، وفي مسمعيه:
"رحل الطَّاغوت".
"رحَل رجال الاستبداد".
"رحَل الاستعمار".

أغلقَ عينيه على شروق شمسٍ بعد طول غروب، ولسانه يردِّد: "أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله".

ذات صلة:

*لينا* معجب بهذا.
Eh S(17) رد: اثنان من تراب الارض .. للكاتبه مها ابو النجا
أمسك "عبَّاس" بمكبِّر صوت، وألصقَ فمه في فوهته؛ ظنًّا منه أنَّه كلما قرَّبَه أكثر، ازداد صوتُه علوًّا ووضوحًا - وردَّد عبارتَه غير مرَّة:
• يا شباب، علينا أن نكون في المقرِّ المحدَّد في تمام الساعة السادسة صباحًا.

صرخ أحدُهم بلكنة أجنبيَّة سمعها تكرارًا في أغنيات المسلسلات التركيَّة - من كثرة متابعاتها له - ورغم ذلك لا يفقَهُ كلمةً منها:
• أليس الوقت مبكِّرًا جدًّا؟!

بالكاد استوعبَ "عباس" معناها، أو بالأصحِّ ترجَمَها له "ياسر همام" هامسًا له ببعض الكلمات.. تنحنح بعدها "عباس"، ورسم على وجهه ابتسامةً ملوَّنة؛ لِيُفهِم الآخرين أنَّه فهم عبارة الرجل التركي بدون الاحتياج إلى حشو بعض الكلمات في أذنه، كما أنَّ عدم فهم "جابر" لِما يُقال من حوله يقلل من هيبته في تأبُّطِه لقيادة المجموعة، فوُجود "ياسر".. عذرًا.. "ياسر همام" بمثابة شوكةٍ في الحلق؛ فعلى كلِّ مَن يناديه، أو يأتي عليه ذكره أن يلفظ اسمه كاملاً دون تقطيع؛ لاعتقادٍ يُساوره منذ نعومة أظفاره، أنَّ تجزئة الاسم نذيرٌ لتفكُّك ما، ويَرمق مَن يتجاوز هواجسه الخاصة، ويناديه باسمه الأوَّل، أو العائليِّ – نظرةاشمئزاز تشعرك أنَّك من شرذمة القوم!

ورغم تلك البرجوازيَّة الذاتية التي ليستْ على وفاق مع قسوة الرِّحلة، فإنَّ الرجال استساغوا عقليتَه، وحاوَلوا جاهدين إرضاءَه؛ مما أثار ريبةَ وتشكُّكَ "عباس" في مقدرة "ياسر همام" من سَحْب بساط القيادة مِن تحت قدمَيْه، وفكَّر فِعليًّا في إطاحتِه أو تَرْكه في أحد البلاد العربية التي مَرُّوا بها، أو حتَّى من الممكن تغيير مسيرتهم بتجاوز أكثر من خطٍّ برِّي، وتركه مثلاً في "إسبانيا"؛ فلعله يعيد أمجاده السابقة، بل ربَّما يغيِّر اسمه المتفائل.

ما لبث أن نَفض تفكيره المزعِج بعد تفحُّصِه لوجوهِ مَن حوله، فجورج البريطاني، وأورهان التركي، وموسلي الأوروبي، جميعهم يَنظرون إليه ببلاهة وعدم استيعاب لما يتفوَّه به من حينٍ لآخَر؛ إذًا فهو في أمَسِّ الاحتياج إليه في إيصال ما يُريده لذوي الألسنة المتعدِّدة، وتمتمَ بِضجَر:

• لا أدري لِم اختار هؤلاء شاحنتي للتوجُّه صوب المعبَر، في القافلة أكثر من 152 شاحنة، ألَم يَستطِب لهم البقاء إلا هنا؟!

تفرَّس مليًّا في وجه "ياسر" المبتسم، وهو يردُّ على تساؤلات الآخَرين، ويَشْرح لهم قصَّة القضية الفلسطينيَّة (من طقطق لسلام عليكم) بلغةٍ إنجليزيَّة رقراقة سلسة، مستخدِمًا عبارات بلاغيَّة أبْهرَت مَن حوله، وأثارت تَعاطُفَهم وتأوُّهاتِهم.

إنَّه رجلٌ قيادي مُحنَّك، يدرك ما يَفعله أيُّ رجل معتاد السُّلطة، ورغم ذلك ترك لـ"عباس" الزمام، مُمهِّدًا له الطريق الوعرة، مترجِمًا له ما يدور حوله بكلمات قليلة مرتَّبة، لِمَ لَمْ يقتنص الفرصة للقيادة، وأَخْذ ما كان له أصلاً؟!

سؤال شاخ في مفكرة "عباس"؛ من كثرة التساؤل.

في الموعد، حزَموا أمتعتهم القليلة؛ فقد شدد "ياسر همام" على تخفيف الحمل، وحَزْم الأشياء المهمَّة، هو نفسه لم يَحْمل إلاَّ حقيبة صغيرة تكفي رزمة من أوراق ضائعة، وليست ثيابًا مهذَّبة حِيكَت بدقَّة، وأدوات حِلاقة، وزجاجة عطر نفَّاذة برائحة عبقة، كل تلك المُحتويات لا يعرف "عباس" أين وضَعها "ياسر"؟ هل أقحمَها خفيةً في صندوق الحافلة الحديدي؟ هل استغفَلَهم الرَّجل، وطالبَهم بحمل أقل القليل، بينما وارى الكثيرَ بين جانبيه، وبدا كـ"جنتل مان" في أحلك الظُّروف، وكأنَّه يشيِّع نفسه للموت في أُبَّهة مخمليَّة!

كلهم متشابهون في شيءٍ ما، ترَكوه خلفهم، ولَم يلتفتوا إليه، أخرجوا مدَّخراتهم؛ لِيَبتاعوا تذاكر نحو مصيرٍ مجهول، قد تتلاقى أرواحُهم دون أجسادهم، حينها هل سيَرَون "ياسر همام" بكامل أناقته؟!

هكذا تحوَّل "ياسر" إلى شغل "عباس" الشاغل، يراقبه خفية؛ ماذا يفعل عندما تتوقَّف الشاحنة؛ لاستِقْطاع دقائق للراحة، كيف يحلق ذقنه؟ كيف يرشُّ عطره؟ كيف يمشي مشية المعتدِّ بنفسه؟ حتَّى إنه حاول السَّيرَ والحلق على طريقته، فلم يُفلِح!

أنَّب نفسه: ما هذا الهوس يا عبَّاس؟ لو عشقتَ إحدى النِّساء لَم تفعل هكذا فعل! ماذا يَعْرف عن ياسر، ماذا يعرف عنه الكل؟ لا شيء، أكثر من أنه أحد المهاجرين العرب إلى إحدى الدول الإسكندنافية، تحمل قسماته آثار النِّعمة، أخبره أحدهم أنه مِن أصلٍ فلسطينيي، خرج من بلاده بعد النَّكبة غافلاً عن قضيَّتِه، ثم فجأة استيقظ الحنينُ الوطني لديه، وبات يسأل مَن حوله حتى وصل إلى هنا.

همس "عباس" في حضرة رجاله: ما لِهذا الرجل وقضيتنا؟ لِم يُعاني ما عانيناه، لَم ينَم جائعًا يومًا، لم يُواصل ليله بنهاره؛ لِيَجلب قوتَه، لَم، ولَم.

ما بالك يا رجل؟ الأجانب تركوا أوطانهم، وأتَوْا معنا، هو أولى منهم؛ جذوره عربيَّة.

لَم يعلِّق على دفاعه عنه، فقط أزاحَبرأسه بعيدًا، وأخذَتْ عيناه تطوفان حول حركات جسد "ياسر" المَرِنة، صحيح أنَّه لَم يسافر خارج الحدود العربيَّة، ولم يتَثقَّف ثقافةً فاخرة، ولم يحلق ذقنه بحلاقة كهربائية باهظة الثَّمن، إلاَّ أنه الأجدر منه بالقيادة، ولعبَ دور الرجل المُحرِّك لِسَبْق الأحداث؛ فهو مَن حاوَرَه مُراسلو القنوات الفضائيَّة، وهو من تحدَّث بِلُغة عربيَّة سليمة خاليةٍ من الأخطاء النحويَّة؛ لِيَظهر بمظهرٍ لائق أمام حشود وطَنِه، عندما يرَوْنه على الشاشة، أمَّا الآخر فقد تنحَّى، توارى لَم يظهر ولو كبصيص شعاع.

تمتم الرِّجال معلِّقين بِفُكاهة:
• يبدو الرَّجل يكره الشُّهرة والأضواء.

علَّق بتأفُّف:
• بل، لا قدرة لديه على المواجهة.

سكت الجميع من تصريحه، فانفَضُّوا من حوله؛ لإدراكهم عدمَ جدوى إعادة جُملٍ تُثير غيرته، وبَّخ نفسه متمتِمًا لها في سرِّه:
• عباس، الوسواس القهري الذي يَجْتاحك كجنودٍ مجحفة بحقِّك، لا يليق بك، إنَّه من أجل المنعمين في الأرض ذَوِي الأعراض الغريبة، فهُم من استحدثوا أمراضًا لَم تكن موجودة من قبل، ليس لأنَّهم عليلون، بل لِترَفِهم وأوقات فراغهم الطويلة.

فمثلاً: ما الذي جلب "ياسر" هنا من بلاد الأساطير والنَّجمات الخمس، ربَّما رفاهية الفائض من الوقت؛ فقد تقاعد، ولَم يجد شيئًا يفكِّر فيه، فجذبته رحلة نحو أرض الميعاد، فقد يَحْظى بإثارةٍ ما، أو تفجير دموي يوزِّع أشلاءه في كلِّ شبر ترابيّ، يخلِّد ذكراه ويجعله بطَلاً تاريخيًّا تَدْرس مآثِرَه الطَّلبةُ الأفذاذ، أو يتحوَّل إلى رمزٍ يُصقَل بالمعدن والحجر، ويزرع في وسط الميدان؛ لِيَراه المارَّة، ويترحَّمون عليه وعلى أمجاده، أمَّا أنت فَتُحارب من أجل أرضٍ حُرِمَت منها، أُخرجت منها عَنْوةً بعد أن تمرَّغَت سنين عجافًا في سجونِ مُحتلِّها، نُفيت إلى بلدٍ لَم تُرحِّب بك إلاَّ مرغمة - وفق رغبة المُحتل - صُودِرَت رغباتك بمجرد مُصادرة هويتك، سحَبوا منك أوراقك الثبوتيَّة، ومنَحوك أوراقًا أخرى باهتةَ اللَّون مختومةً باسم "لاجئ فلسطيني"، وحدَّدوا لك ثلاثة بلدان؛ لترحل إليها، والبقية شطبتك بالخطِّ الأحمر، أضاقت خارطةُ العالَم بك؟!

سنون طوال أذاقَتْك معنى غربة الوطن، واليد والممشى، سنون جبَلَتْك على الصِّراع من أجل العيش، حاول أن تتجاهله، ولا تُحاول أن تحظى بسُلطةٍ هُضمت منذ زمنٍ بعيد، ولَم تَعُد لك.

تنبَّه على صوت "ياسر" يحدِّد موعد الوصول إلى المعدية، حسب تدابيره الفذَّة:
• سنَصِل في تمام الساعة الثانية ظهرًا، وعلى الجميع أُهبة الاستعداد، والالتزام ببنود الخطَّة بدايةً من الصُّعود وحتَّى الوصول؛ لِضَمان نجاح الخُطَّة، يا رجال ليس الوقت ولا الظُّروف مواتِيَيْن؛ لنبش أحقادٍ دفينة، أو غايات نفسيَّة، كلنا واحد ننصهر في قالب واحد، فقريبًا نصل إلى الشَّاطئ ونصعد المعديَّة، وننجز مهمَّتنا على الوجه الأكمل، وستطأ أقدامُنا ترابَ فلسطين، وسنُقبِّل أحبابنا فيها، ما قاله كان إنذارًا له بِتسَلُّمه القيادة الفعليَّة.

لقد نَحَّاه "ياسر" بعدَّة جمل لا أكثر، رمَقَه بنظرةٍ ذات مغزًى، يدفنه بين طيَّاته، هل كان الكلامُ موجَّهًا له، نظرته له لَم تكن مطمئِنَة، هل وشى أحدُ رجالِه به؟ سيُلقِّنه درسًا لن يَنْساه طوال حياته، أصوات أبواق سيَّارات، وتوعّد أحدهم أخرجه من تلاطُمِه الفِكري، وأرهب سائق الحافلة؛ لأنَّه هو أوَّل من رأى السِّلاح مُشهَرًا عليهم:

• انزلوا، تقدَّموا فُرادى فُرَادى.

وقفَت أجسادهم المنهكَة، وعبَرَت المساحة المُحدَّدة لها؛ لِيَتمَّ تفحُّص ملامحِهم، والتعرُّف عليهم؛ فإن تعرَّفوا على أحدهم كناشطٍ سياسي، أو منظِّم حركة مقاومة، يفصلونه عن المَجموعة، ويقتادونه إلى معتقَلٍ مَجهول، ساروا - كلٌّ على حدة - والعيون معلَّقة بِمَلامحهم.

أتى دور "ياسر همام"، فمرَّ على الخطِّ وكأنَّه يسير على السجَّادة الحمراء بِزَهْو وعدمِ اكتراث، ودون أن يَنْبِس بكلمةٍ خلاف البقيَّة؛ فقد حاولوا التحدُّث بكلمات عبريَّة وإنجليزية ركيكة؛ محاولة منهم لإظهار حُسن نواياهم.

فجأة، أُضيئت الإشارات الحمراء، وسُلِّطَت على أعينهم؛ لِتَحجب الرؤية عنهم، لكن المشهد نافذٌ إلى عقولهم، والرهبة مسيطرة على قلوبهم، أُطفئت الأنوار الضوئيَّة دون سابق إنذارٍ كبداية إنارتها، صرخت الأفواه دون أن تَصْدح بكلمةٍ واحدة: لماذا تُعمون أبصارَنا؟ نحن نرى طريقَنا بِحَواسِّنا.

استرقَ "عبَّاس" في غمرة الأحداث الرهيبة نظراتٍ مختلسةً نحو "ياسر"، فهالَه ما رأى، لمحَ دبيب خوفٍ يَسري في عينيه، فانتشَرَت داخله سعادة، وانتصار عجيب يُناقضان الموقف، أخيرًا شعر "ياسر" بالخوف؛ فهو آدميٌّ تَسيل في عروقه الدِّماء العربيَّة، وليس بطلاً أسطوريًّا متجاوِزًا كلَّ المخاوف الرَّاعبة، فبَعض رجال يحملون رشاشات وأنوارًا حمراء أثاروا الرُّعب داخله، إذًا لا شيء يُميزه عنهم.

هطلَ المطر ليلتَها كأطواق نجاةٍ لهم؛ فغَزارته الشديدة كانت كوَقْع الأسهم على المعتدين؛ تُبَعثِر الآخَرين قليلاً؛ فمحاصرة المطر لهم لَم تكن في حسبانِهم، ولَم يعدُّوا لها العدَّة من ملابس شمعيَّة، وخوذات قاسية، كان مرأى عينٍ مشهودًا لا يُنسى، حتَّى إنَّهم سمعوا قلوبَهم تتهلل فرحةً لسواعد خفيَّة تمدُّهم بسيلٍ عارم من القوَّة، رفع "سعيدٌ" يده إلى فوق عاليًا؛ كإشارةٍ للبدء، وصرخ:

• هجوم.

وجم "عباس"؛ فقد كانت خطَّة لَم يعلَمْها، ولَم يُعلِمه أحدٌ بها! أليس جديرًا هو بعِلْمها، بل والمشاركة في وضع نقاطها؟! لَم يكمل هوسه؛ فقد بادرَه "ياسرٌ" من الخلف، وهَمس في أذنه، وأعطاه أمرًا بحركةٍ من إصبعه:

• عبَّاس، أنت ورجالك في الناحية الأخرى، عندما أرفع يدي لك ادخُل بقوة.

لَم ينفذ أوامر "ياسر" الصارمة.

احتدم الصِّراع والمطَر معًا، لَم يتخلَّ أحدُهما عن الآخَر، كانت اللَّحظات تمرُّ ثقيلةً ثقيلة، وبينما المواجهة محتَدِمة بينهم، تلَمَّسوا بأمَلٍ واهنٍ العونَ والمساعدة، لكن مع انزواء المكان وتخَفِّيه عن أعين الثُّوار، جعل النَّجدةَ - نوعًا ما - صعبةَ الوصول.

وانطلقت أبواق نفيرٍ من مبنًى عالٍ أحدثَ التِماسًا في أجسادِهم، وألقَوْها في صدر البحر، وسبَّحوا بصعوبةٍ وانقطاع أنفُس، وحاولوا الوصول إلى المعديَّة، رغم العواصف الرعديَّة، والمطر الغزير، والعوائق الاصطناعيَّة، وصلوا للمعدية بمجهودٍ يَفوق الوصف، أمَّا "عباس" فسقَط في أيديهم، وتَملَّكه الرعب الفعليُّ عندما قيَّد رَجُلان يديه، وكمَّما فمه، ودفَعاه بخطوات متعثِّرة نحو مكانٍ يجهله، وزجَّاه في سيارة صمَّاء.

قاومَ بتثبيت قدَميه في الأرض، صرخَ أحدهم في وجهه: اصعد، اصعد.

ثم تلقَّى ضربةً على رأسه، شعَر بِقُواه الجسديَّة والعقلية تخور رويدًا.. رُويدًا.. ومن ثَمَّ سقط مغشيًّا عليه.

أفاق على مرأَى مكانٍ خالٍ من الحياة، إلاَّ من بناية عالية، وكأنَّها برجٌ للمراقبة، إذًا مِن هنا يتصيَّدون فرائِسَهم! اقتِيد إلى الدَّرجات الحديدة صعودًا للبُرج، وأُلقي على كرسيٍّ وحيد في الحجرة الصَّغيرة وكأنَّها زنزانة: ما بالك يا عبَّاس؟ لِم الْهَلع! فأنت معتادٌ على الزنزانات؛ فقد أُسِرت أكثرَ من مرة، ولن يُخِيفَك منظرٌ مُشابِه.

نظَر عن يمينه، فوجد رجلاً مفتولَ العضلات يرتدي بزَّة عسكريَّة غريبة، وعن شماله نَفْس الهيأة، باختلاف بعض الملامح، ومن أمامه ومن خلفه، ماذا يحدث؟ هل هو شخصيَّة نافذة تحتاج إلى كلِّ هؤلاء؟! ازدادت صلابتُه وقوَّته؛ فهو لا يقلُّ عن "ياسر همام" في الثَّبات.

انفضَّ الجمع من حوله بعدَما أغلَقوا عليه الباب الحديديَّ بجهاز تحكُّم، ورقم سرِّي، لا، لَم يَسبق له أن حظِيَ بهذه الشرفيةوالاحتياطات الخاصة، ربَّما سجِلُّه السابق أرهبَهم، وجعلهم متوجِّسين خِيفةً منه.

فُتح الباب في اليوم التالي آليًّا، دخلَ عليه غمرةمن الرِّجال، تقدَّم منه أحدُهم، فَهِمَ مِن لكنته، وطريقةِ إلقاء الأوامر أنَّه القائد، بادره بمشاعر باردة:
• تقدَّم، قِف ويداك فوق رأسك، تحرَّك.

انتابَهُ شعورٌ من الرهبة، كان يحول إسكانهاطوالَ اللَّيلة الفائتة مع هزيم الرَّعد، حاول أن يتفحَّص ملامِحَهم؛ علَّه يستشفُّ منها أمرًا بِخُصوصه، لكن تجلُّد قسماته أثنَتْهعن إعادة المُحاولة وهم يَدْفعونه إل مكانٍ آخَر مصوِّبين نحوه أربعة رشَّاشات من نوع (الكلاشنكوف) أُدخل إلى غرفة أكبر من الغرفة التي كان فيها، وفي نفس المبنى العالي، أسقطوه أرضًا بقدَمِ أحدهم فجَثا على ركبتيه، ويداه مقيَّدتانِ خلف ظهره.

ومع كل ما واجهه، إلا أنَّه شعرَ بنفحاتٍ من الحماس، والاعتداد بالنَّفس، وظهر جليًّا في نظرات عينَيْه؛ مِمَّا جعلهم يُصوِّبون الرشَّاشات إلى رأسه طوال التَّحقيق معه، كان مستعِدًّا أن يُخبِرهم عن اسْمِه، وسُلالته وعشيرته، والقبيلة التي يَنْحدر منها، والاعتقالات التي عاصرَها في حياته، لكنَّهم لَم يسألوه عن كلِّ ذلك، سأَلوه فقط عن "ياسر همام"، وكيف السبيلُ للإمساك به..

فإذا أراد رأسه أن يخرج سالِمًا، عليه أن يُخبرهم عن خُطط رحلة المعدية، ليس هو المقصود؟ فـ"هَمام" البطل المقصود في كلِّ العمليَّة، من هو "ياسر همام"؟! لن يصدِّقوه لو أخبرهم أنَّه لا يعلم عنه شيئًا، وأنه كان يُخفي عنه بنود الخُطَّة، ماذا يفعل؟

تصرَّف بسرعة محاولةعرقلة أحد الرِّجال الملتَفِّين حوله؛ لاختطاف رشَّاشه وتصويبه باتِّجاه القائد الأساسي، لكنَّهم كانوا أسرعَ منه، وحركته السريعة لَم تكن متقنة، استشاطوا لخطوته الجريئة، وازدادوا تعنُّفًا، دفعوه إلى الزنزانة، وانفجر القائد في وجهه مزمجِرًا: "حاولتَ اغتيال عسكريٍّ عند أداء مهمته الوطنيَّة!".

سرَتْ في جسده رعشة، كالَّتي تنتاب مَن يعتلُّ بالحمَّى، وأحسَّ بدبيب إغماءٍ يَسري فيه، فرَّ في هلعٍ عند سماعه لعواء مُخيف يخترق حدوده: انطق يا....

لَم يعلِّق، بدأ الخدر يذوي احتجاجَه، وما زال (غراب البَيْن) ينعق بشرر: "أنت متَّهم بتأليب الجمع للمظاهرة، وإحداث ثورةٍ لقلب الحكم، وإثارة فتنة".

دارَت الأرض به، ورأى طيف "ياسر همام" يشمت به ساخِرًا، وأجزاء الغرفة مُتطايرة في كلِّ الاتِّجاهات، وشعر بانقلاب الأمور؛ فالسَّقف احتلَّ مكان الأرضيَّة، والعكس، حتَّى الجدران تبادلَتْ أمكنتَها، ولَم تبْقَ على حالها، سقط ممسِكًا بالأرض من تحته، وصُوِّبَت فوهات الأسلحة على كل عضو من جسده.

أفاق من إغمائه وفي حواسِّه آثارُ التَّنميل، كقبائل ثوريَّة أعلنَت التمرُّد والانفلات، خُيِّل له أنَّه يُجابه أضغاث كابوسٍ مزعج، وأنه في بيته بين زوجته وأولاده، يفكِّر في أوراقه المصادَرة عند كفيله، وعدم تجديده لإقامته، والغرامات الطَّائلة التي سيدفعها مِن أجل حفنة أوراق صغيرة، وإمضاءاتٍ ظالِمة، لم يَحْفل بكلِّ ذلك، شعر بالقهر يشحذ هِمَّته، شعور تناقُضي، لكنَّه جزم أن يتحدَّى ما زُجَّ فيه.

فتح عينيه، فإذا بغرفةٍ أخرى تختلف عن الأولى، كانت أضيقَ وأبرد، بسريرٍ صَدِئ دون ملاءات وأَغْطِيَة، وحائط مدهون بألوان باهتة ملطَّخة بِبُقع سوداء مشربة بِحُمرة، وكأنها دماء بشريَّة قديمة ممتزجة بحديثة فارقَت الحياة منذ بُرْهة وجيزة.

تشنَّجَت أطرافُه، وصدح الألَمُ داخله وقلبه، حاول الوقوفَ دون جَدْوى، تَهاوى على السَّطح البارد، أرادَ أن يغلق جفنَيْه، ثُم يفتَحُهما؛ علَّه يُنهي حُلمِه الشيطاني، درَّبَ نفسه على السُّكون، واسترجع أكثرَ المواقف صعوبةً مرَّتْ به، وفي خِضمِّ مرارَتِه، استحوذَ عليه صوتٌ كان يسمعه كلَّ يوم خمس مرَّات، هل يُعقل أن يوجد مسجد قريب مِن هذا المعتقَل، أم أنَّ صوت المؤذِّن أُدخل في برمجة عقله، أم أنَّه أذان أصدره معتقلٌ آخَر في زنزانة مُجاورة؟! لا يعرف ماذا حدث له؟ استقرَّت فرائصه، وهدأَتْ سريرتُه، وشعرَ بِبَرد وسلامٍ ينتشر في أوصاله، لا يدري كم من وقتٍ طويل اجتازَه بأنفُس متلهِّفة لمعرفة مصيره، إن أرادوا قتْلَه فلْيَقتلوه، فقد هيَّأ نفسَه للمغادرة نحو مكانٍ رحْب.

أقدام عنيفة تَدُوس الأرضَ بِعُنف، وتقترب منه، وأصوات مشحونة باللَّعن والسِّباب، ثُم صوت أعنف: اخرج.

ابتسم ابتسامةً يانعة، وكأنَّه ذاهبٌ إلى (البيدر)؛ لِيَقطف المَحصول، سار بشموخٍ والشَّريطُ السينمائيُّ يدور في باله كعرض مستمرٍّ لا يتوقَّف، وجه المسلَّح الرشاش إلى رأسه، ودفعَه به نحو طُرقات طويلة في المبنى، واقتِيد مقيَّدًا إلى مبنًى آخَر تتوسَّطه قاعةٌ مفتوحة مرشوقة بالمسلَّحين، هاله ما رأى، لِم كلُّ هذا؟! امتدَّ بصرُه إلى نهاية القاعة، والتقطَ منصَّة تُشبِه منصَّة المَحكمة، جلس حولَها مجموعةٌ من الرِّجال ذوي السِّمات المدمرة، وكان أوسطهم أشدَّ تدميرًا، يبدو هو مَن سيُصدِر حكم الإعدام عليه، أوقَفوه في القفص الحديدي، وبدأَتْ تَسري داخله رعشات قويَّة، ليست رعشاتِ خوف، بل تأهُّب واستعداد.

صرخ أحدهم: "محكمة".

وقف الحضور، تحرَّكَت الرشَّاشات في كلِّ الاتِّجاهات، أريد محاميًا، من حقِّي الاستِنْفار، صرَّح بطلبه بلسانٍ عربي فصيح، لَم يأبه له أحَد، لَم يَستجيبوا إلى طلبه، وكأنَّه بُتَّ في أمره منذ زمن طويل، والمسألة مسألةُ وقت لا أكثر، وتحيّن الفرص للانقضاض.

نادى الرَّجل الواقف في الخلف مرة أخرى: "محكمة".

وقف رجلٌ مقابله مكشِّرًا عن أنيابه كأسَدٍ هَصور، يحمل ملفًّا كبيرًا من الأوراق، وعريضةً طويلة من التُّهَم، وأخذ يسردُها بتعنُّت:
"اغتيال شرطيٍّ أثناء أداء واجبه الوطنِي!".
"تحريض الشعب للإطاحة بالرَّئيس!".
"محاولة إرهابيَّة لتفجير البُرج!".
"الفرار والانخراط في تنظيمٍ مُناهض للحكومة!".
"................................!".
"................................!".

لَم يستطع سماع الباقي من تلفيق التُّهم، بل قرعت الطُّبول في أذنيه معلِنةً ثورة مليونيَّة، هل لدَيْك أقوال أخرى؟ التُّهم موجَّهة لك مع سَبْق الإصرار والترصد، ولا نَفْع مِن استئنافٍ إن كنتَ تنوي ذلك!!

كلمات قالَها الرَّجل المتوسِّط للمنصَّة، وكأنَّه يشمت به، لقد هُيِّئ له أنَّه يُخرِج له لسانه نكايةً به، لا أقوال أخرى لدَيه؛ فهو لَم يَقُل أقوالاً أُولَى حتَّى يكون له أخرى!

نظر إلى الرَّجُل بصلابة؛ لِتَنطق عيناه بِما عجزَ لسانُه: افعلوا ما شئتم، الْعَبوا بِمَصائر الآخَرين، نحن - المنتَصِرين - الله معنا.. الله معنا.

وفي التفاتةٍ منه إلى الرَّجل المُجاور لمَح شكلاً يعرفه، صُعق مِن مرأَى ما رأى، أليس هذا الرَّجل الذي اتُّهِم باغتياله؟! تحرَّك لسانه، عادَت له الحياة، أشار إلى الرَّجل مِن خلف القضبان الباردة: "هذا هو مَن اتَّهمتُموني بقتله، إنه حيٌّ يُرزق، التُّهَم الموجَّهة إلَيَّ باطلة، أُطالب بِمُحامٍ حالاً، صخبت القاعة بضحكٍ هستيري، وثار الهَرْج والمرج، صرَخ الرَّجلُ على المنصَّة، ضاربًا الطاولة أمامه بمطرقة: "انتباه".

ساد الصَّمت، وأعلن الرَّجل الحُكمَ المُجحِف بحقِّه: "حكمَت المَحكمةُ عليك بالسجن، ثم الإعدام بالرَّصاص".

لَم ينهَرْ ولكن شعر بالدَّم الحارِّ يَغلي في عروقه، ونسي كلَّ شيء عن حياته، وعن غيرتِه من "ياسر" وأتباعه.

عرف أنَّهم نَجَوا، وعبَرُوا البحر واستُقبِلوا بالتَّرحاب والزَّغاريد رغم أنف الاحتِلال، وسلَّموا المعونات، وشاركوا في الثورات.

أتى موعدُ تنفيذ الحكم، وكان الفَجْرُ موعِدَه لخاتمته؛ فكان حُسنَ خاتمةٍ له؛ فما زال صوتُ المؤذِّن في أذُنيه منذ تلك اللَّيلة الأولى.

أتى موعِدُه بعد عشرين عامًا من السجن دون تُهمة، بعد عشرين سنةً عُزلةً وانغلاقًا عن الخارج والأحداث، لكنَّ هناك خبَرًا تسرَّب له من الفتحات، خبَر أثار إعجابه بشخصٍ من نَفْس تراب أرضه، كان معه على خلاف؛ فقد قام "ياسر" مع رجاله بأَسْر رجلٍ من العدوِّ واستعماله كورقةٍ رابِحة؛ لإطلاق سراح أَسْرى بلاده، ونجحَت الخُطَّة، وأُطلق مجموعة منهم، لكن - للأسف - لَم يكن منهم؛ لكثرة التُّهَم الموجَّهة إليه.

لَم يَحزن على وجعه ومصيره، بل حَزِن؛ لأنَّه لن يُقابل "ياسر همام"، ويبلِّغه السَّلام، حاولَ أن يتلهَّى في مدة سجنه بكتابة المذكِّرات، فرُبَّما تصل له ولزوجته وأولاده كاعتذارٍ؛ لأنَّه لَم يُحالف الأوَّل ويصدِّقْه، ولَم يترك للآخرين أرضًا تَحْميهم من بَراثن الزَّمان.

دوَّى نفيرٌ في أرجاء المبنَى، مُعلِنًا وقت الإعدام، طارَتْ منه كلُّ الأفكار الَّتي كانت تُراوده، وأوراقه الفارغة، وأقلامه الحبريَّة الجافة، وحالة سلامٍ لَم يعهَدْها قبلاً تنتشر في خباياه.

كلُّ حياته بِحُلوها ومُرِّها، كلُّ مشاعره بِتَناقُضِها، كل أمنياته بدرجاتها، حتَّى الأصوات ونغماتها، كلُّها أصبحَتْ سواء عنده؛ فسلام أيتها الروح ما بعده سلام "ارجعي إلى ربِّك راضيةً مرضيَّة"؛ فكل شيء زال عند سماع النَّفير، تسرَّبَت له ثوراتٌ من خلف الجدران:
"استبدَّ الرَّئيس".
"لَم يتنازل عن الاستبداد".
"انقلاب".
"ثورة دمويَّة".
"نزل الشعب إلى الميادين".
"رفعوا اللافتات".
"ارحل.. ارحل".

استوعبَ ما يحدث في الخارج المَحْجوب عنه لفترةٍ طويلة، جاءَتْه سَكْرة النَّوم؛ فهو لَم يذُق للنوم طعمًا منذ أيام، فغَفا غفوةً رأى فيه رؤية مُبهِجة، رأى حشودًا مصطفَّة حوله، تُنشِد له نشيد الحريَّة والشرفيَّة، ورأى بينهم "ياسر همام" وأنصاره، اقترب منه ووضع في يده مصحفًا صغيرًا، وقبَّل جبينه، وهَمس في أذنه: "لِيَحفظْك الله"، ترَكَه وعاد من حيث جاء، ركض خلفه منادِيًا عليه، قابِضًا بين كفَّيه المصحفَ الصغير، وصوت بنبرةٍ قاسية: "أطلقوا النيران"، سقط على الأرض ونافورةُ دمائه تخضبُ الأرض بنقوش مَحفورة لا تزول، وفي مسمعيه:
"رحل الطَّاغوت".
"رحَل رجال الاستبداد".
"رحَل الاستعمار".

أغلقَ عينيه على شروق شمسٍ بعد طول غروب، ولسانه يردِّد: "أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله".
تسلم ايدك ياديل اكثر من رائع
احييك
دومتى متميزه حبيبتى
:d




مواقع النشر (المفضلة)


اثنان من تراب الارض .. للكاتبه مها ابو النجا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع